السيد علي عاشور
88
موسوعة أهل البيت ( ع )
وفي الآية دليل على أنّه كان معصوما عن جميع الذنوب ، لأنّه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به ، وذلك يؤدّي إلى كون الفعل الواحد ممنوعا منه مندوبا إليه وذلك محال . قوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ « 1 » . عطف على الكاف من جاعلك وإن شئت قلت : ومن ذرّيتي تتعلق بمحذوف تدل عليه كلمة جاعلك ومن للتبعيض ، أي أجعل بعض ذريتي إماما ، كما يقال سأكرمك فتقول وزيدا ، وإنّما طلب الإمام لبعض ذرّيته لعلمه بأنّ كلّهم لا يليق بها ، لأنّ ناسا غير محصورين لا يخلو فيهم من ظالم غالبا قال اللّه تعالى : سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ * كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ « 2 » . وأفاد بعض المفسرين أنّه قد جرى إبراهيم على سنّة الفطرة في دعائه هذا ، فإنّ الإنسان لمّا يعلم من أنّ بقاء ولده بقاء له ، يحبّ أن تكون ذرّيته على أحسن حال يكون هو عليها ، ليكون له حظ من البقاء جسدا وروحا . ومن دعاء إبراهيم الذي حكاه اللّه عنه في السورة المسماة باسمه رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي « 3 » . وقد راعى الأدب في طلبه فلم يطلب الإمامة لجميع ذرّيته بل لبعضها لأنه الممكن ، وفي هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضا ، وذلك من شروط الدعاء وآدابه فمن خالف في دعائه سنن اللّه في خليقته أو في شريعته ، فهو غير جدير بالإجابة بل هو سيئ الأدب مع اللّه تعالى لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنّته التي لا تتبدّل ولا تتحوّل أو ينسخ شريعته بعد ختم النّبوة وإتمام الدين . والعهد في الآية الإمامة التي أعطاها اللّه تعالى إبراهيم وإنّما سمّيت تلك الرئاسة الإلهية عهد اللّه لاشتمالها على كلّ عهد ، عهد به اللّه تعالى إلى بني آدم كقوله تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ « 4 » . ومن عظمها وشرافتها في عين إبراهيم سأل الإمامة لبعض ذرّيته ، فأجابه اللّه تعالى بأنّ الإمامة عهده ولا يناله الظالمون ، يقال : نال خيرا ينال نيلا أي أصاب وبلغ منه . وبين اللّه تعالى أنّ عهده ذو مقام منيع ودرجة رفيعة لا يصل إليه يد الظالم القاصرة . وأيضا دلّت الآية على أنّ بعض ذريته الظالم ، لا ينال عهد اللّه ، لأنّ الظالم ليس بأهل لأن يقتدى به ، فلم ينف اللّه تعالى الإمامة عن ذرّيته مطلقا وإلا لكان يقول : لا ينال عهدي ذرّيتك مثلا بل ذكر المانع من النيل إلى ذلك المنصب الإلهي مطلقا وهو الظلم ، وذلك كما ترى أنّ اللّه جعل
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 124 . ( 2 ) سورة الصافات ، الآية : 109 - 113 . ( 3 ) سورة إبراهيم ، الآية : 40 . ( 4 ) سورة الأحزاب ، الآية : 7 .